الأرض والهوية في ظل الحرب والمعاناة
تعيش سوسن الجدبة مأساة فقدان أرضها في غزة، لكنها تصر على البقاء وزراعة ما تبقى. في ظل ظروف قاسية، تعكس قصتها ارتباط الفلسطينيين بأراضيهم وحقهم في العودة. اقرأوا المزيد عن صمودها في خَبَرَيْن.

يوم الأرض: ذاكرة وصراع من أجل البقاء
- داخل خيمة منصوبة على قطعة أرض صغيرة، تجلس سوسن الجدبة مع أطفالها على الشريط الأخير من أرضها، على بعد أمتار قليلة من بقية أرضها المصادرة.
قبل حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على الفلسطينيين في قطاع غزة عام 2023، كانت السيدة البالغة من العمر 54 عامًا تمتلك ثلاث قطع أرض تبلغ مساحة كل منها حوالي 2,000 متر مربع (21,530 قدم مربع): واحدة ورثتها عن والدها في حي التفاح الشرقي، وأخرى في حي أبو صفية شمال شرق مدينة غزة، وثالثة على امتداد شارع صلاح الدين وسط قطاع غزة.
وتتذكر قائلةً: "لقد كانت جنة". "لقد زرعت أشجار الزيتون والحمضيات... كانت مصدر رزقي أنا وأولادي".
ومثل الآلاف في جميع أنحاء غزة، رأت الجدبة هذا الواقع يتغير تمامًا. فقد تم تدمير منزلها، وأصبح من غير الممكن الوصول إلى معظم أرضها لأنها تقع ضمن ما يسمى "الخط الأصفر"، وهو خط ترسيم الحدود العسكري الإسرائيلي الذي يشق أكثر من نصف أراضي غزة.
اليوم، لم يتبق من أرض الجدبة في حي التفاح سوى حوالي 600 متر مربع (6,460 قدم مربع). وتصف هذه الخسارة بأنها "جرح غائر في صدرها"، وكابوس لم تتخيل أن تعيشه. ومع ذلك، فهي مصممة على البقاء مع بناتها وأحفادها وزراعة ما تبقى من أرضها مرة أخرى رغم محدودية الموارد.
تقول: "الأرض مثل الشرف". "حتى لو بقي متر واحد فقط من أرضي، سأفعل المستحيل للبقاء عليها".
أهمية يوم الأرض في الوعي الوطني الفلسطيني
تقول الجدبة إن ارتباطها بالأرض أكثر من مجرد ذكرى أو رمزية. إنها تجربة يومية من الفقدان والتعلق في آن واحد. هذا الواقع مرتبط ارتباطًا وثيقًا بماضٍ ليس ببعيد، عندما شاركت في إحياء ذكرى يوم الأرض الذي يستذكر أحداث 30 مارس 1976، عندما استشهد على يد القوات الإسرائيلية ستة فلسطينيين عزّل خلال احتجاجات ضد مصادرة إسرائيل للأراضي الفلسطينية.
وبعد مرور خمسين عامًا، أصبح يوم الأرض لحظة تأسيسية في الوعي الوطني الفلسطيني، حيث يجدد العلاقة بين الشعب والأراضي التي فقدها قبل عقود ليس كمجرد ملكية، بل كهوية ووجود وحق غير قابل للتصرف.
"تقول الجدبة بإحباط: "لقد كان يومًا جددنا فيه ارتباطنا بالأراضي المحتلة عام 1967 و1948، مطالبين بحقنا في العودة. "أما اليوم، فقد تغير المعنى تمامًا... نحن الآن نطالب بالأراضي التي أخذوها منا خلال هذه الحرب، ورسموا لنا حدودًا جديدة".
خلال الحرب، نزحت الجذبة وعائلتها إلى جنوب غزة، حيث مكثوا هناك لأشهر. وفي أعقاب "وقف إطلاق النار" الذي تم التوصل إليه بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية في أكتوبر 2025، عادت مسرعةً لتفقد أرضها.
تقول: "كنتُ كمن يحاول التقاط أنفاسه من جديد... ما تبقى من منزلي دُمّر بالكامل، وتم تجريف الأرض". "لكني حمدت الله، والآن أعيش على ما تبقى، وأحلم بالوصول إلى البقية."
وتقول إنها قررت مواصلة الزراعة كوسيلة للبقاء على قيد الحياة والمقاومة اليومية.
وتقول وهي تشير إلى المحاصيل التي زرعتها: "الحل الوحيد هو أن أعيش وأتمسك بأرضي". "الباذنجان والفلفل والطماطم... وخلال شهر رمضان، زرعنا الجرجير والبقدونس والسبانخ. أرض غزة خصبة؛ إذا أعطيتَها فإنها ترد لك العطاء".
لم تسلب الحرب الإسرائيلية الأخيرة من الجدبة أرضها فحسب، بل سلبت منها أيضًا اثنين من أبنائها، بينما استشهد زوجها خلال حرب أخرى في 2008-2009.
وعلى الرغم من فقدان الأحبة ومشقة النزوح وشح الموارد، لم تفكر الجدبة أبدًا في الرحيل.
"الحياة صعبة للغاية، نعم. ولكن ما حدث في غزة الإبادة الجماعية والتجويع والنهب لن يمنعني من التمسك بأرضي". "سأبقى في أرضي حتى آخر لحظة... وإذا مت، سأدفن فيها."
الواقع الحالي في غزة: التهجير وفقدان الأرض
يتم الاحتفال بيوم الأرض تقليديًا بمظاهرات عامة واحتفالات رسمية.
ولكن، وللسنة الثالثة على التوالي، تأتي الذكرى السنوية وسط ظروف أقسى لسكان غزة. فبعد أكثر من عامين ونصف العام من الحرب والدمار الواسع النطاق والتهجير الجماعي، فقد آلاف الفلسطينيين في غزة أرضهم ومنازلهم أو تم اقتلاعهم منها.
وأصبح يتعذر الوصول إلى أجزاء كبيرة من القطاع الآن، إما بسبب الدمار أو نتيجة للجغرافيا العسكرية المفروضة. وتشير التقديرات إلى أن القوات الإسرائيلية تسيطر الآن على أكثر من نصف مساحة غزة الإجمالية. وفي الوقت نفسه، فإن الأراضي الزراعية، التي كانت ذات يوم العمود الفقري للأمن الغذائي، إما دمرت أو عزلت إلى حد كبير.
وفي قلب هذا التحول يوجد "الخط الأصفر" الذي يمتد من الشمال إلى الجنوب، بعمق يتراوح بين 2 كم إلى 7 كم (1.2 ميل إلى 4.3 ميل).
تمتد وراء هذا الخط، الذي تميزه الحواجز الإسمنتية الصفراء، مناطق واسعة حددها الجيش الإسرائيلي على أنها "مناطق قتال" محظورة على الفلسطينيين. وتشمل أحياء سكنية كاملة وجزءًا كبيرًا من الأراضي الزراعية في شرق غزة.
ووفقًا لتقديرات مختلفة، فإن ما بين 52% و58% من أراضي غزة تقع الآن تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، مما يحصر السكان فعليًا في أقل من نصف مساحة القطاع.
لم يقتصر هذا الواقع الجديد على إعادة تشكيل الجغرافيا فحسب، بل أعاد تعريف معنى يوم الأرض.
فبينما كان إحياء هذه الذكرى مرتبطًا تاريخيًا بحق العودة إلى الأراضي المفقودة عام 1948، إلا أنه الآن يتعلق أيضًا بالوصول إلى الأراضي والمنازل التي فقدت خلال الحرب الأخيرة على غزة.
يقول بشير حمودة وهو جالس خارج مجموعة خيام عائلته في غرب غزة المحاطة بالدمار: "لقد دمروا منازلنا واقتلعونا من أرضنا".
"نحن اليوم مشردون... نعيش في مخيمات لا تصلح للحياة الآدمية. لا أحد يشعر بمعاناتنا"، يأسف الرجل البالغ من العمر 68 عامًا.
تجارب شخصية في فقدان الأرض
شاهد ايضاً: إيران تنفي إطلاقها صواريخ على دييغو غارسيا
أُجبر حمودة على الفرار من منزله في جباليا شمال غزة تحت القصف الإسرائيلي. وقد ترك وراءه ثلاثة منازل وقطعتين من الأرض مليئتين بأشجار الزيتون والنخيل والفواكه المختلفة.
يقول باكيًا: "عندما تركت منزلي وأرضي... تمنيت أن ينهار المنزل عليّ لأموت بداخله". "شعرت وكأن قلبي قد انتزع مني. هل يمكن للإنسان أن يعيش بدون قلب؟ لا يمكنني العيش بدون أرض... الأرض هي القلب."
بالنسبة له، فإن يوم الأرض هذا العام ليس مجرد ذكرى للتاريخ، بل هو بالنسبة له ما يصفه بأنه "اقتلاع جديد، تجربة مريرة".
"لم تعد القضية اليوم تتعلق فقط بأراضي عام 1948 أو عام 1976، بل أيضًا بما فقدناه مؤخرًا في غزة: أرضنا وبيوتنا وكل شيء"، يقول وعيناه تدمعان.
التغير في معنى يوم الأرض
يعزو حمودة هذا "التحول المرير" في يوم الأرض، من حق العودة إلى قرى الأجداد إلى المطالبة بالعودة إلى المنازل المدمرة حديثًا، إلى ما يصفه بـ"الصمت الدولي والتخاذل تجاه معاناة الفلسطينيين".
"عندما سُرقت أراضي أجدادنا في عام 1948 وعام 1976، وقف العالم متفرجًا ولم يفعل شيئًا."
"الأمر نفسه يحدث الآن، ونحن نتعرض للإبادة الجماعية. نحن وأبناؤنا وأحفادنا... ومرة أخرى، العالم لا يفعل شيئًا". "من قبل، طالبنا بحقنا التاريخي في العودة. واليوم، نحن نطالب بالعودة إلى ديارنا في شرق جباليا، على بعد دقائق فقط."
ويعكس هذا التحول حجم التغيير الذي فرضته الحرب الذي يتجاوز حدود غزة، ويتزامن مع تصاعد مصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس المحتلة، إلى جانب التهجير القسري المستمر في مناطق متعددة.
التمسك بالأرض: الأمل والمقاومة
في هذا الواقع الجديد، لا تقاس العلاقة بالأرض بما فُقد منها فحسب، بل بما تبقى منها وما يواصل الناس الكفاح من أجل التمسك بها.
تعليم الأجيال القادمة قيمة الأرض
شاهد ايضاً: حرب الناقلات: كيف يعيد التاريخ نفسه في مضيق هرمز
"أجلس مع أحفادي أكثر من 50 منهم وأعلمهم معنى الأرض. وأزرع فيهم معنى الانتماء"، يقول حمودة.
بالنسبة له، فإن هذا العمل التعليمي هو الحد الأدنى الذي يمكنه القيام به في ظل النزوح.
يقول: "لن ننسى هذه الأرض". "إذا لم نعد، ستعود الأجيال من بعدنا."
أخبار ذات صلة

عمال الطوارئ في إيران يبحثون عن ناجين بعد الهجمات القاتلة الأمريكية الإسرائيلية

الغارات الجوية تقتل سبعة مقاتلين في الأنبار بالعراق
